El lenguaje de la novela árabe contemporánea y su papel en la continuación de la estética de la lengua árabe

لغة الرّواية العربية المعاصرة ودورها في استمرار جمالية اللغة العربية
عبد الملك مرتاض والأعرج واسيني أنموذجا

El lenguaje de la novela árabe contemporánea y su papel en la continuación de la estética de la lengua árabe: ‘Abd al-Malik Murtāḍ y al-A‘raŷ Wāsīnī como modelos

محمد بلقاسم
جامعة تلمسان

Mohamed Belkacem
Universidad de Tremecén

ملخص
تسعى هذه المقالة إلى التعريف باالرواية الجزائرية وتطورها من حيث الكم والكيف والعوامل التي ساعدتها على النمو والانتشار وتنوع كتابتها وأسلوبها السردي. صوّرت الرواية الجزائرية خصوصية المجتمع الجزائري وبيئته.
وقد أخرج الكُتّاب أعمالهم في ثوب سردي و لغوي جميل أشاد به النقاد. و لعب الخطاب السوسيولساني دورا هاما في التنوع والبناء المعْماري للرواية من أسلبة و حوار النصوص والتناص الظاهري والخفي.
الكلمات المفتاحية: الرواية الجزائرية، الخصوصية، التنوع، جمالية اللغة، الأسلوب، عبدالمالك مرتاض، الأعرج الواسيني.

Resumen
Este artículo busca presentar la novela argelina contemporánea y su desarrollo en términos cuantitativos y cualitativos y los factores que la ayudaron al crecimiento, la proliferación y la diversidad de su escritura y estética. La novela argelina es un retrato de la sociedad argelina y su entorno. Los novelistas logran en sus obras una narrativa y lenguaje sofisticados que la crítica literaria ha elogiado. El discurso sociolingüístico jugó un papel importante en la diversidad y la construcción arquitectónica de la novela tanto estilo, diálogo textual como en simetría. Se presentan los casos de ‘Abd al-Malik Murtāḍ y al-A’raŷ al-Wāsīnī como ejemplos.
Palabras claves: Novela argelina, particularidad, diversidad, estética de la lengua, estilo, ‘Abd al-Malik Murtāḍ, al-A’raŷ al-Wāsīnī.

 

 

عرفت الرّواية الجزائرية تطوّرا كبيرا من حيث الكم والكيف. وقد ساهمت عدة ظروف في تطورها من أهمّها:
التعليم وكثرة وسائل الاطلاع والانفتاح على الآخر والمثاقفة المتنوعة.
مرّت الرّواية الجزائرية بعدة مراحل منها: مرحلة الوعي بالكتابة الرّوائية وتسخيرها لأهداف متعدّدة كنشر الوعي للتعرف على الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي… وغيرها.
ومرحلة التّأسيس: في منتصف القرن الماضي، ثم مرحلة التجريب، ومرحلة الكتابة المتنوعة ومرحلة ما بعد الايديولوجية والتاريخية.
ومع ذلك بقيت تصور الحياة الخصوصية للجزائر، إلاّ نادرا ما خرجت عن خصوصيتها المحلية والإقليمية بامتياز.
وقد سعت الرواية الجزائرية عبر مراحلها المختلفة إلى تطوير نفسها من الداخل قبل أن تستوعب مضامين الخارج، وذلك بتركيز مضامينها على أوضاع الجزائر والأمة العربية، وإدخال الإنساني، وتعريف الآخر بالحركة الدائبة في الجزائر وإقليمها الجواري والدولي.
كان روّاد الرواية الجزائرية ومؤسّسوها حريصين على نشر أفكارهم بذكاء ووعي، وكانت الضغوط الاجتماعية المحفز الرئيس لكتاباتهم.
أشاد كثير من النقاد بالرواية الجزائرية، بأنها لا تختلف في مستواها عن الرواية العربية، وتفوقت عليها في أحايين كثيرة ونالت جوائز مهمة.
والرواية الجزائرية كتبها روائيون كرّسوا جهودهم في إخراج رواياتهم في ثوب سردي ولغوي جميل يمتاز بمعار روائي أشاد به النقاد وبخاصة روايات الطاهر وطار، وابن هدوقة، وعبد الملك مرتاض، والأعرج واسيني، وبوجدرة، محمد ساري وعبد الجليل مرتاض…وغيرهم، واكبوا مرحلة كانت الكتابة فيها عسيرة وصعبة، وظروفا حالكة وقاسية، مرّت بها الأمة العربية وإقليمها الجواري والدولي، وبخاصة الايديولوجيات التي كانت تجذب إليها الكتاب إما بالترغيب أو بالترهيب.
ينتمي كتاب الرواية الجزائرية إلى عدة طبقات ثقافية منهم الجامعيون والأكاديميون، ومنهم العصاميون، ومنهم مزدوجو اللغة، ومنهم من يكتب بلغتين أو أكثر، الثقافة تلعب دورا كبيرا في مسار الكاتب واتجاهاته الفكرية لأن اللغة وعاء المعرفة وترسباتها.
القارئ الـمتمعّن يلاحظ ويلتمس ذلك التنوع، من خلال نوعية الأفكار المطروحة، وتوجيه الرسائل المشفرة والمتنوعة، ومحاولة جذب الأنظار بطرق عديدة، منها:
– بناء الرواية من حيث معمارها، وطريقة السرد والوصف والتوصيف.
– اللغة وتعدّد مستوياتها، وجماليات الأسلوب وتعدد أصوات الشخصيات.
– تنوع الفكر: فلسفي وإيديولوجي أو ديني..
– علاقة الكاتب بالبيئة والمحيط المعيش..

تعدد مستويات اللغة: عند عبد الملك مرتاض والأعرج واسيني
ومن هنا نطرح مسألة جمالية اللغة العربية في الرواية والإقبال على قراءتها، وما هي الطرق والمستويات اللغوية المستعملة في كتابات الروائيين: عبد الملك مرتاض والأعرج واسيني ولماذا استحوذا على قلوب القراء في زيادة المقروئية للرواية العربية وما سر استمرار جمالية اللغة عندهما…
ويُعدّ الكاتبان الروائيان الأكاديـميان، مرتاض والواسيني، من بين أكثر الروائيين العرب حضورا إقليميا ودوليا، فهما مطلعان على ما يجري في الساحة النقدية والأدبية والثقافية، عبر المثاقفة لأنهما يحسنان اللغة العربية والفرنسية، والواسيني يكتب بهما معا، ويصدر بعض رواياته باللغتين مباشرة.
أما من حيث المعمار البنائي والسردي لروايتهما فيتميزان ببناء سردي ولغوي ملفت للنظر، ويرجع ذلك إلى الـممارسة النقدية والكتابية الفنية.
تشغل اللغة في إبداعهما الروائي مكانة هامة، فالسرديات لا تكتسب قيمتها الفنية. التي تتميز بها عن باقي الأجناس الأدبية. إلاّ بالتصور النظري للغتها، من خلال التركيز والاهتمام بعملية التشخيص اللغوي.
واللغة هي الأداة الرئيسة في التشكيل الفني للرواية المعبر عن هويتها وأدبيتها لدى الكاتبين و”ما انتماء الرّواية إلا للغة التي تكتب بها بغض النظر عن الحكاية وانتمائها إلى هذا المكان أو هذا المجتمع”1.
اللغة عند الروائيين هي “وسيط يقوم بتثبيت مفردات الدلالة وبناء هيكل المعنى الكلي للنص، وتنظيم عملية التصوير والرمز دون أن يصل من التبلور والكثافة والتشيء، إلى الدرجة التي يحل فيها محل عناصر السرد الأخرى، أي أن تصبح الكلمة المتوهجة، هي منطلق الطاقة التصويرية ومناط الإبداع..”2.
نلاحظ في روايات الكاتبين تصويرا واضحا لتطوّر طبقات المجتمع الثقافي واللغوي، وما حدث في مستويات اللغة وتحوّلاتها عبر سرد متخيل وواقعي في أحايين أخرى.
في روايات مرتاض وواسيني تتشكّل اللغة من عدة مستويات وهي مزيج من عدة أصناف لغوية، تعكس لغة الروائي فيها ولغة المجتمع وطبقاته أيضا، وتستفيد من أشكال القول الإنساني والثقافي والاجتماعي للروائيين.
إن الرواية ظاهرة لغوية قبل أي شيء آخر، ويتجلى ذلك في تعدّديتها اللغوية…فنموها وتشكلها من التعددية اللغوية الداخلية والخارجية، وهي مرتبطة بالواقع الاجتماعي، وماهيتها هي تقنية للغة في علاقة عضوية مع المجتمع، وليس ما تعكسه من آراء المؤلف أو ما تطرحه من موضوعات. حسب نظرية باختين3.
ويمكننا ن نلج إلى واقع روايتين للكاتبين الأعرج واسيني وعبد الملك مرتاض فاجعة الليلة السّابعة بعد الألف4، ومرايا متشظية5.
ونكشف عما فيهما من تعدّد لغوي، وسحر أسلوبي، والروايتان جاءتا مرتعا خصبا لتعدد اللغات والخطابات والأصوات، لأنه لا توجد لغة مهما كانت، أن تكون بعيدة عن الاحتكاك والتفاعل والأخذ من لغات أخرى، ليكسبها خاصة التنوع، والتمرد، وإن كانت تجري على لسان الروائي بلغة واحدة، فهي ذات مستويات متعددة ومتنوعة.
سعى الكاتبان إلى تنويع وتنظيم وتعدد مستويات اللغة في روايتهما من خلال عدة منافذ، فالرواية منفتحة على عدة أجناس أدبية، تراثية مثل ألف ليلة وليلة، والمقامات، والأخبار والمغازي، والتاريخ المحكي والحكايات الشعبية…وغيرها، والروائيان، يطرحان جملة من الأحداث والعلاقات مثل: المتخيل والواقعي، والمعرفي والفني، والتاريخي والروائي، والشفاهي والكتابي، والموضوعي والذاتي، والتأصيل والتجريب، والمدنس والمقدس، والأنا والآخر.
والروايتان تستدعيان رواة من غابر الزمان مثل: رواة حكايات ألف ليلة وليلة، والجن، والمتصوفة، والقوالين، والحكائيين، والصالحين، والمؤرخين، والمجانين، والمظلومين، والحكماء، وغيرهم مما أدى إلى تنوع الشخوص، وبالأحرى تعدّد مستويات اللغة، وتنوع أصواتها، وطرق كلامهم وملفوظاتهم، هذا الركام الهائل من الخطابات واللغات، يوظفها الكتابان عبر عدة طرق، كاستراتيجية التناص، وحوارية اللغة والأسْلبة، والتهجين والسخرية…وغيرها
امتصّ نصا الروايتين هذه اللغات المتنوعة، والنصوص الغائبة المترسبة في مخزون ذاكرة الكتابين وأحلامهما في لغتهما وأسلوبهما، وذلك باكتساح كثير من الأجناس الأدبية، التي تفاعلت فيما بينها في أسلوب تعبيري راق، فشكلت نصي الروايتين في نمط يشبه النسيج في تداخل خيوطه، ودقة ضبط ألوانه إنما لحظة تدفق المعاني في ثوب لغوي أخّاذ، يدل على التحكم في ناصية اللغة، أداة فعالة في تحريك المجال السردي داخل الرواية.
تؤكّد روايتا: مرايا متشظية، وفاجعة الليلة السابعة بعد الألف، المؤثثتان بمعارف متنوعة المتجاوزة للتقليدي مكوّنة عالما خاصا بهما، أسهمت ملكة الكاتبين النظرية ذات المنابع المتعدّدة في فتح آفاقه وتعدّد رؤاه المنفتحة فهما تحملان عناصر متنافرة ومتداخلة زمانيا، فالروائيان، ينطلقان من المكسب الحاصل لتفسير ما يتلقياه.
فالروايتان لا تحتويان على لغة واحدة وأسلوب واحد، وإنما يوجد مركز لغوي للروايتين، والمؤلفان وهما صانعا الكل الروائي، يتعذر الحصول عليهما في أي مستويات اللغة، إنهما في المركز التنظيمي لتقاطع المستويات.
فالكتابة ما هي إلا عملية تحويل اللغة وتشكيلها ونقلها من وضع المادة الدال، إلى وضع تنظيم فيه من جديد داخل النّص، والمؤلف الفنان يقوم بتحويل اللغة ويدخلها في سياق لينتج أصنافا من الدلالات، لأن كل رواية هي نظام من صور لغات وأساليب، والمزاوجة بين الصور في الكل الروائي وتحولات اللغات والأصوات، وتداخلها والإشارات المتبادلة فيما بينها من القضايا الأساسية لأسلوبية الرواية.
امتطى الكاتبان عبد الملك مرتاض والأعرج واسيني طرقا في تكوين النص المسرود عبر قنوات منها إبداعية التنوع الكلامي والأسلوبي المتمثل في:
التّهجين
وهو مزج بين لغتين داخل ملفوظ واحد، والتقاء وعيين لسانيين مفصولين بحقبة زمنية، وبفارق اجتماعي أو بهما معا داخل ذلك الملفوظ: “…والتهجين اللإرادي اللاواعي، هو إحدى الصيغ الهامة للوجود التاريخي ولصيرورة اللغات، علما أن الكلام واللغات يتغيران تاريخيا عن طريق التهجين وعن طريق مزج مختلف اللغات داخل نفس اللغة”6.
ويكون التهجين في صيغة حوار داخلي ليحدّد وجهتي نظر تتجاوزان حوارا يوجد فيه داخل ملفوظين كاملين مثل جوابين لحوار ممكن، ويكون التهجين في الرواية نسقا من توحيد اللغات منظّما أدبيا، نسقا موضوعه إضاءة لغة بمساعدة لغة أخرى، وتشكيل صورة حية للغة أخرى، ففي حال التهجين تكون اللغة التي تضيء وتكون نسقا من اللغة الأدبية المعاصرة، وكلما وسعت طريقة التهجين في الرواية بعدة لغات تكون اللغة الـمشخصة والـمضيئة طابعا موضوعيا فتتحوّل إلى إحدى صور الرواية. فتصير ضمن لغة الروائي الـمتمرس كما يقول مرتاض نفسه: “يفعل ذلك بلغة لأنها لم تكن قابعة في الـمعاجم كالجثث الفانية، كأنها خلق جديد من اللغة، لأن ذلك الخلق لغته هو وحده من دون العالـمين، لغته هو وحده لأنه يمنحها من دفء حنانه وسعة خياله، ما يجعلها تتطبع بطابعه، تعتلم بشخصيته الأدبية، فلا تكون إلا لغته هو، فتتّسم بالتفرد بعدما كانت متسمة بالعجائبية”7.
ومن مظاهر التهجين في رواية مرايا متشظية، نجد ما يعرف بالمظهر الفردي في الهجنة القصدية: فقد تناثرت داخل الرواية ملفوظات دالة بوضوح على تهجين قصدي جاء به الروائي ليضيء الوعي اللساني للغة على أخرى ونلاحظ ذلك من خلال: استعمال اللهجة الدارجة أو المحلية المحكية أو العامية و يدرجها في داخل اللغة العربية الفصحى مثل:
“نحن نعمل إيش إيش هذا الكلام”8. “وين الفتاة العذراء، والبقرة الصفراء يا دهماء”9 “ويك، ويك، ويل، ويل! وما أصاب بني حمران” و”ماذا بها؟ إيش جرى لها؟”10.
وربما الكاتب يقصد من بالإتيان بالعامية داخل النص الروائي، لقربها من الفصحى وقواعدها إلاّ أن كثيراً من اللغويين لا يحبذون ذلك ويرونه بعيدا عن العربية والتراث النحوي “إلا أن المتكلم أبرز قدرته في هذه الهجنة القصدية التي جاء بها الكاتب، وقد ساهمت في تحيين اللغة المحلية لربطها بالرواية، وجاءت معبرة عن عنصر السوسيولساني المهيمن في الرواية، وله صلة مباشرة بالعامية المحكية في منطقة الخليج العربي، وذلك بالتركيز على ألفاظ بعينها وبدلالاتها المحلية كاستعمال الاستفهام وأدواته “إيش، وين”، أدوات الندبة “ويك ويك ويل ويل” وغيرها و”للعامة أخيلة وآراء وعبارات تدل على حياتهم الاجتماعية العامة للشعوب، كما تدل آراء الخاصة وأخيلتهم على تلك المعاني المملوءة بالثقافة الخاصة”11.
وتقترب العامية المهجنة في رواية فاجعة الليلة السابعة بعد الألف، من العربية الفصحى، بعد أن أخضعها الكاتب إلى عملية التفصيح، وهي ترتبط باللهجات ذات الارتباط الوثيق بمجموعة من الفئات الاجتماعية ولغاتها اللصيقة بها يوميا، لذا نجد العامية حاضرة في متن الرواية، بعد أن دسه الكاتب بأشكال متقطعة بين نصوص أو تعابير الفصحى محاولا الارتقاء بها إلى مستواها، مما أدى إلى مجاورة لكل منهما الآخر في تفاعل بناء، ساهم في تعدد مستويات اللغة في الرواية، وأدى إلى تهجين ملفوظاتها، وحوَرها من سلطة اللغة الأحادية، ومن هنا تتقاطع العامية مع الفصحى وتخرق قدستها، ربما تنسجم معها الأصوات اللغوية بالظهور أو التمازج معها فوظف الكاتب بعض الصيغ العامية مثل الكلام المتداول يوميا، أو التي كان حضورها في كلام بعض الشخصيات أو عبر الأحداث مثل: دير روحك مهبول، تشبع كسور”12 و”دارها بينا ولد الحرام”13 ومثل”والله هذا قالهم ارقدوا نغطيكم”14 وغيرها من العبارات المبثوثة في هذه الرواية تخلق نوعا من التآلف والعضوية في بعض الأحايين، وارتباطه بالبيئة الشعبية.
ونجد أصداء الحياة فيها متمثلة في هذه اللغة التي نقلت صخب الأسواق وفضاءاتها الشعبية كأصوات الباعة والمنادين مثل “يا سامعين ما تسمعوا إلا سماع الخير، عام الجوع راح، والزمان ولّى، والقصر اللي كان عالي طاح، والطير المحبوس على، يا سامعين ما تسمعوا إلى سماع الخير”15.
لأن الهجنة الروائية ليست هي ثنائية الصوت والنبرة…بل هي مزدوجة اللسان، وهي تشتمل على وعيين فرديين، على صورتين، على نبرين على وعيين اجتماعيين لسانيين وعلى حقبتين ليستا في الحقيقة مختلطتين هنا بكيفية لا واعية، بل هما قد التقيا بوعي، وتتصارعان فوق أرض ملفوظ”16 ونجد في حدود الخطاب الهجين الذي عرّفه باختين “هي عن قصد متحركة ومزدوجة، وكثيرا ما تمرّ داخل مجموعة تركيبية أو داخل جملة بسيطة، وأحيانا تقاسم الأعضاء نفس الجملة”.

الأسلبة (Estilización)
هي تصوير فني لأسلوب لغوي غريب، يحمل وعْيَين لغويين مفْردين الوعي الـمصور الـمؤسلَب، والوعي الـمصور الـمؤَسلِب17 وعندما يريد الكاتب تقليد الآخرين، يلجأ إلى الأسلبة، ويعمل على الإسهام الواسع لتداخل الأساليب وتعدّدها، مما يثري الجانب الحواري للرواية.
والأسلبة تعطي صورة للنزوع اللغوي، وفي روايتي مرايا متشظية لمرتاض وفاجعة الليلة السابعة لواسيني، تتعدّد أشكال اللغة بفضل استعمالاتها، وكلام الآخر قد يكون منسوبا إلى الشخصيات أو يكون في إتباع الكاتب لأسلوب الغير استطاع الكاتب أن يُحلّ كلمة الغير في أسلوبه عبر كلمات مستلهمة من كتاب آخرين، ليُشاركهم في استلهام، عن طريق الاحساس المقصود بمشاركة الكلمة في أحداث سيرورة الصّراع الاجتماعي فيقول مرتاض: “يا شمس…توقفي، لا تغربي، إني أناديك يا شمس، يا رائعة فهل تسمعينني الآن؟ وهل تفهمين هذه اللغة التي أخاطبك بها؟ إني أناديك أم أنت لا تسمعين، ولا تفهمين أية لغة مما به يتكلّمون…يا شمس، يا حسناء، يا مضيئة على غيرها: أناديك فاسمعي وافهمي لا تغربي عني، ظلي كما كنت في غابر الأزمان”18.
هذه الصورة اللغوية المؤسلبة ذات المنظر الغريب لا شك هي من صميم أسلوب عبد المالك مرتاض، ولكنها تشبه أسلوب الشعر الرومانسي عند الشابي عندما ينادي الطبيعة، يا أم هل تكرهين البشر أو صور لا مرتين في لغته، وعندما أسلبها من مخزون ذاكرته في حياض لغته وعبر بها عن أفكار عديدة عن لغة الآخر، محاورة لامرتين وغيره “أيتها اللحظات السعيدة كفى عن المسير، أيتها البحيرة…أناديك، أنت التي أغضى عنها الزمن، وخلع عليها الشباب مرة بعد أخرى…احفظي تلك الليلة، احفظي ذكراها”19.
وتندمج الأسلبة ضمن النص، حيث يصعب اكتشافها، فهي خفية ومتضمنة داخل النص الروائي، فيتماهى معها. ويمكننا إعطاء نموذج للنص الـمؤسلب والنص الأصلي الـمؤسلب:

الـنص الـمؤسلب
النص الـمؤسلب الأصلي
وأيقنوا أن زمن الطّوفان والموعود أغرقهم..حل الطوفان على كل الروابي فما جاء في بعض الأخبار غير المؤكدة. ولم ينج منه من كانوا في كهف الظلمات. ولا في مملكة العدم. بل لقد امتدّ طوفان الدم الموعود إلى كل الأقطار والكهوف في كل أنحاء الأرض فغمرها وأغرقها فهلك الناس جميعا ولم يبق منهم أحياء إلا من كان يتعبد الله مخلصا في جبل قاف20.
تنكّر قوم نوح عليه السلام لدعوة الحق، ولم يتركوا عبادة الأوثان، فكان جزاؤهم، أن استحقوا عقاب الله تعالى فأوحى الله إلى نوح عليه السلام، أن يصنع السفينة فسخر منه قومه. إلا أنه لم يأبه لسخريتهم فكانت عاقبة قومه أن أغرقهم الله، ولم ينج إلا نوح ومن آمن معه، قال تعالى: “وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون” (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرمون (37)” “سورة هود، الآىيتان 36 و37

النص الـمؤسلب
النص الـمؤسلب الأصلي
لا أحد يعرف من أين جئت تحديدا لا أذكر أنا شخصيا عن عائلتي قيل أرضعتني ظبية في إحدى حياض جبل قاف. بعد أن توفيت أمي في ليلة ميلادي، أما والدي فلم تتّفق الأخبار على تحديده هو أيضا.
قيل أن ماردا من الجن نزل على أمي فعلقت منه. وقيل أن ملاكا جاء إليها فنفخ في كمها فحملت بقدرته تعالى. وقيل لم يؤت بي إلى جبل قاف إلا بمائتين وخمسين قرنا…وكان الموز والتفاح والتوت والرمان والتمر والحليب والعسل طعامنا…21
فلما اشتد الجوع بذلك الطفل بكى، استغاث وعالج الحركة فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طفلاها، حنت الظبية به رئمت به، ألقمته حلمتها وأورمته لبنا سائغا، وما زالت تتعهده وتربيه، وتدفع عنه الأذى.
إن الظبية التي تكلفت به وافقت خصبا ومرعى أثيثا، فكثر لحمها ودرّ لبنها، حتى قام بغذاء ذلك الطفل أحسن قيام. وكانت معه لا تبتعد عنه إلاّ لضرورة الرّعي. وألف الطفل تلك الظبية “تربي الطفل ونما واغتذى بلبن تلك الظبية، وإلى أن تمّ له صولان، وتدرج في المشي وأثغر فكان يتبع تلك الظبية، وكانت هي ترفق به وترحمه وتحمله إلى مواضيع فيها شجر مثمر، فكانت تطعمه ما تساقط من ثمراتها الحلوة النضيجة وما كان صلب القشر كسرته له بطواحنها ومتى عاد إلى اللبن آوته، متى صحا ظللته، ومتى حضر أدفأته، وإن حن الليل صرفته إلى مكانه الأول، وجللته بنعميها وريش كان هناك”22.

استخلص الكاتب لغة مضيئة على موضوع الأسلبة التي استلهم منها صورا وصيغا للغة وتعامل مع المادة الأولية للغة، بنوع من التنويع فأدخلها في اهتماماته ومواقفه الجديدة في سرد روايته.
ومن خلال هذه المقاطع من الرواية وعرضها بجانب المقاطع الأولية المؤسلبة، يتّضح لنا أن مرتاض عبد الملك ينهل من مناهج متعدّدة، من النصوص التراثية الدينية والأدبية والفكرية المتداخلة والمتشابكة، والتي أسهمت في تعدّد اللغة داخل النص الروائي، وتفاعلت مع بنيته، حيث تماهت فيه، وقد نهل الروائي من هذه النصوص المؤسلبة والنصوص المؤسلبة، حين حولها الكاتب إلى حوار لغوي أو تناص ذكي يصعب التمييز بينه وبين النص الأصلي، ليكشف عن الإيحاء الدلالي الشكلي للنص المؤسلب، فتتحور عن سياقها الأصلي، وتحلّ محله دلالات جديدة، فالاحتكاك بالتراث عبر نصوصه المختلفة ظاهرة في المتن الروائي عبر سردها ولغتها المنسابة بتدفق، معلنة عند اندماجها في لغة الرواية متناسية أصلها المأخوذة منه وكأنها نص جديد صاغه المؤلف دون تكلف ولم يظهر مرجعيته الأولى.
والمهمّ في الأسلبة يقودنا إلى العلاقة مع الآخر، في علاقات تفاعلية يكون فيها التأثير والتأثر بين النصوص في انعكاسها على النسيج اللغوي للنص، وفي كونها مظهرا من مظاهر اللغة التي تظهر وتبرز لغة الآخر.
وقد أكسبت أسلبة النصوص فاعليتها الكبرى في الرواية من خلال الأثر الفعال الذي تتركه في المتلقي الذي يبحث عن جماليات اللغة كالانزياحات والعدول، والتكرار والتداخل والتماثل، ويغدو النص نتيجة التواصل بين الفنان والمتلقي نصا مفتوحا في ملء الفراغات المتروكة فيه لإبراز وإظهار البعد الفني والجمالي، هذا ما يؤكد أن المتلقي يلعب دورا فعالا في الكشف عن الوجود الحقيقي لنص في نصوص أخرى وهي المركزية بين الكاتب والقارئ المتلقي للغة، لأن ذاكرته تشتغل عبر الحضور والغياب في إدراك العلائق بين النصوص، لينتج دلالات جديدة، ويعطي أهمية للنص الجديد الذي يحلّ محلّ النصوص السابقة ويلغي سلطتها الدلالية وينتج نصا روائيا مفتوحا يأبى الانغلاق على لغته الوحيدة. ومن هنا تكون الرواية جنسا جديدا يتجسد فيها: “الجمال الفني الرفيع، والخيال الراقي البديع والحس الشديد، والرهافة، والرقة الشفافة، بالإضافة إلى الإبداع واللذة والابتكار”23.
المحاكاة الساخرة
ويطلق عليها البارودية parodia وهي تحطيم اللغة عن طريق الأسلبة وهي في الغالب تحمل موقفا ساخرا من اللغة الموضوع، ويمكنها أن توافق بين نوايا اللغة المؤسلبة، فتعبر هذه عن موقفها من خلال صورة تلك، ويبدو أن هذا النوع “عند باختين” هو أكثر أشكال الأسلبة شيوعا، ويجمع فيه كل أنواع إدماج النصوص اللغوية السابقة في نص معاصر، وجعلها تعبر بطريقة تلقائية عن نوايا اللغة الخفية المؤسلبة24.
وتحضر البارودية والسخرية في الرواية عن طريق: 1- الكلمة المحاكاة الساخرة.2- الكلمة الساخرة التهكمية. 3- الكلمة الغيرية المعكوسة، “لأن الروائي المتمرس يجد ضالته في تقليد الأساليب، ويتكلم بواسطة كلمة الآخرين، لكنه يدخل في هذه الكلمة اتجاها دلاليا يتعارض تماما مع النزعة الغيرية”25.
ويوضح باختين هذه السخرية بقوله: “كلمة المحاكاة السّاخرة يجب أن تكون متنوعة لدرجة كبيرة، يمكن أن نحاكي محاكاة ساخرة أسلوب الغير بوصفه أسلوبا، يمكن أن نحاكي محاكاة ساخرة طريقة نموذجية على المستوى الاجتماعي أو شخصية على المستوى الفردي طريقة في الرؤيا، في التفكير، في الكلام، بالإضافة إلى ذلك إن المحاكة الساخرة تكون عميقة، بهذه الدرجة أو تلك، يمكن أن تقتصر المحاكاة الساخرة على الأشكال اللفظية السطحية، غير أن الممكن أن تغور هذه المحاكاة الساخرة لتصل إلى المبادئ والأسس العميقة لكلمة الغير إضافة إلى ذلك، فإن كلمة المحاكاة الساخرة يمكن أن تستخدم من جانب المؤلف بصورة مختلفة، المحاكاة السّاخرة تستطيع أن تكون هدفا بذاتها”26.
ويمكن أن نمثل للمحاكاة الساخرة لأسلوب الغير قول مرتاض: “ويناديكم. لمن لا تعرفون لماذا يناديكم؟ بعد أن كنتم قررتم الإخلاد إلى سبات عميق إلى الأبد، يتّصل نومكم بالليل والنهار لا تحبون إلا النوم اللذيذ، الكسل أحلى ألف مرة من العمل، العمل جهد عرق وكد، الكسل لا، الكسل راحة وخمول، كيف يستويان؟ ولا يزال الصوت ينادي مدويا”27.
ففي هذا المقطع يسخر منادي الرّبوة الخضراء من أهلها، من خلال أسلوب قولهم، بأنهم لا يحبون العمل، ويعدون العمل رجسا، ويخلدون الكسل لأنه متعة وراحة.
الكلمة الساخرة التهكمية، هي تشبه بكلمة المحاكاة الساخرة، الكلمة الغير تهكمية وكل كلمة مستخدمة بدلالة مزدوجة، ذلك أن في هذه الحالات، تستخدم الكلمة الغيرية من أجل نقل النزاعات المعادية لها، وفي كلام الحياة اليومية يكون هذا الاستخدام لكلمة الغير شائعا جدا، خصوصا في الحوار حيث يكرر المحاور في حالات عديدة حرفيا، ما يؤكده المحاور الآخر، محملا إياه قيمة جديدة، ومفضيا عليه نبرة خاصة به: التعبير عن الشك، الاستياء، التهكم، الاستهزاء، السخرية…28
وإذا كان التهكم والسخرية يتشابهان أو يقتربان من الهجاء، فهما ينسبان العيوب إلى شخص أو أشخاص، وقد يقومان بتضخيم العيب، إلا أن التهكم يختلف، لأنه يصدر عن النقد ولذا فإنهما يختلفان في الهدف، فالهجاء غرضه التجريح والتهكم غرضه التهذيب والإصلاح، فهو نوع من الزجر أو الردع فهو يقترب من العقاب وهو أخف وقعا، على الرغم من اتفاقهما في الغاية، وهي خدمة الناس29.
ويمكننا أن نسوق المثال التالي للتعرف على الكلمة الساخرة التهكمية، يقول السارد: “وأنت معوق بعاهتين اثنتين لا بعاهة واحدة…فأنت أعور وأعرج. ولو كان فيك عاهة واحدة لكنت طمعت في أن ينالك شيء من هذه المرأة”30.
ولقد ساق السارد الكلمة الساخرة التهكمية على شكل حوار، دار بين السارد وشيخ “بني بيضان” هنا السارد مفترض، وينقل النزعة المعادية للشيخ ساخرا منه متهكما بصفاته الخلقية.
أما الكلمة الغيرية المعكوسة: وهنا تبقى الكلمة خارج كلام المؤلف، إلا أنها تؤثر في كلمته وتحددها. ويتضح ذلك أكثر من خلال هذا المثال: ” الذي جاء في الرواية “يا سوقة ودهماء، يا كل شيء إلا أن تكونوا شيئا كبيرا. اضرعوا إلى الله تعالى عزت عزته وجل جلاله، بأصوات جهيرة. وعيون باكية، وقلوب خاشعة، وألسنة ضارعة، لعل الله تعالى أن يستجيب لكم لأن ذنوبكم عنده كثرت. وما أشك لحظة واحدة في أنه تعالى يعاقبكم بهذا الجفاف الذي يضرب بيوتكم منذ القرون البعيدة، يا بني بيضان أدعوا الله بأصوات جهرة اللهم ربنا باعد بين أسفارنا اللهم ربنا اسقنا غيثا غدقا، وجدا طبقا اللهم ربنا سلط عذابك وعقابك وغضبك على قبيلة بني خضران المارقة وقبيلة بني زرقان الفاسقة، وقبيلة بني حمران الكافرة، وقبيلة بني سودان الظالمة، وبقية القبائل كلها…اللهم عذب هذه القبائل كلها عذابا شديدا اللهم سود وجوههم، وأخرس أصواتهم، حتى لا يكونوا في الأشياء شيئا اللهم حول السحائب الممطرة التي تمطر بها روابيهم الفاجرة إلى روابينا النقية الجافة الظمأى، حتى تروى فتهتز وتربوا خصبا اللهم أهلك كل القبائل في الروابي السبع إلاّ رابيتنا فلا تبق زرعا ولا ضرعا ودمرمهم تدميرا حتى لا تترك منهم أحدا”31.
وهنا الكلمة الغير المعكوسة، ترفض استغلال المؤلف لكلمتها. وتجعله خارج حدودها وتؤثر فيه، فالكلمة المعكوسة لا تتعدى حدود الشخصية، السخرية تبقى بين الشخصيات، فتسخر إحداهما من الأخرى التي بادرتها بالسخرية وتنقلب السخرية على من أرادت أن تسخر منه، فيُسخر منها ويبقى الكاتب خارج نطاق هذه الكلمة المعكوسة.
والسخرية هي مطية الكاتب للوصول إلى أهداف مرسومة في الرواية، عن طريق اللغة الساخرة المتهكمة المعكوسة الدلالة فالغاية هي المناقضة للغير على غير العادة في الكلام، جاء الكلام مضمرا يفهم من اطريقة المستعملة بواسطة الحديث عن الوقائع التي يخلقها الروائي في لحظة، ويسخر مما خلق في لحظة ثانية، وتظهر وظيفة التخطي التي يحققها هذا الأسلوب اللغوي، فتظهر السخرية بمقاومة الواقع عبر النتائج التي تنفي المقدمات وتعارضها وتتنكر لها.
وفي المرايا المتشظية يلجأ الكاتب إلى السخرية ليعبر عن الشك وكشف القناع والبطولة الفارغة المستهلكة والمزيفة عن شيوخ الروابي السبع الساعون إلى الوصول إلى قصر “عالية بنت منصور” بأية وسيلة فيظهر ويتجلى التعارض الذي يبطن الأسلوب الموظف، فيؤكد الصراع القائم في الرواية، حيث يقول السارد: “وأنتم تتعلمون، ولكنكم تنكحون وتأكون لحوم البشر وتشربون دماءهم، فتعيشون على الاغتيال الذي هو أساس الحضارة التي ستقيمونها إنشاء الله فيما يستقبل من الزمان حيث تبرد الشمس وتتقلص وتتلاشى في الأكوان السحيقة فينتهي كل شيء على هذه الأرض”32.
يُظهر هذا المقطع الذي عبر به الكاتب عن الإنسان الذي يتحول إلى آلة إبادة لأخيه الإنسان وكيف ينغمس في القذارة والخطأ، ويتحوّل إلى حيوان شره يأبى الرجوع إلى إنسانيته المفطور عليها، ويتمادى في الغيّ والطغيان ويسعى إلى إقامة كيان مظلم تغيب فيه الشمش وينمحي فيه الوجود ويسود فيه التناقض بين الفضيلة والرذيلة في الواقع المعيش.
وهنا يستعمل الكاتب اللغة في غير معناها المعتاد المعروف، فنحتاج إلى إعادة تفسير وجهة النظر المتضمنة في الكلمة ذاتها وفهمها من جديد، وطريقة اللغة نفسها وعلاقتها بالموضوع وبالمتكلم، ما يؤدّي إلى خلخلة في مستوياتها فيحدث التناظر مما يجعل المتجاور غريبا، والبعيد قريبا، من خلال تهديم القوالب الجاهزة للغة والفكر بأسلوب المحاكاة الساخرة، والهدف من كل هذا القول والتنوع هو حوارية الرواية.
ونلاحظ أن الروائي في هذا المقطع يحتجّ بذكاء شديد على الواقع المتصوّر لشيوخ الروابي السبع، بأسلوب متحوّل نحو الرفض الشديد والشجب القوي لتفكير هذه الزمرة من الشيوخ وعلى رؤياهم المبنية على شقاء غيرهم وحيث المدنس يعانق المأساة ويلغي المقدس في توطيد الصورة في دلالة تشير بوضوح إلى نهاية، الحياة بداية ببرودة الشمس، والمأساة المتمثلة في اختفاء المعمورة بعد حلول ثقافة وحضارة الموت بإبادة الإنسان للإنسان واستحالة استمرار الحياة مع استقبال الظلام.
توظيف التراث في الرواية
الغاية من توظيف التراث، هي تجاوزه بعد تمثله وانتقاء عناصر منه لاستعمالها بطريقة جديدة، في فن روائي لا يعتمد على تقنيات السرد القديم وتختلف عن السرديات الغربية، حتى لا تكون نوعا من المحاكاة أو التقليد أو التهجين، ولكن هذه المهمة صعبة جدا لأن “الإبداع انطلاقا من الموجود لمحاورته وتجاوزه أعسر من الانطلاق من لاشيء، فالتجاوز يقتضي مجهودا إضافيا لا يتحقق في جميع الحالات”33.
ومن هنا انطلق الباحثون عن خصوصية للرواية العربية المعاصرة وبدراسة ما توفر من سرديات عربية توفرت فيها أساليب متعدّدة في التوظيف والتطعيم وتجاوزت المعهود من الأساليب، والمهترئ من الصور والمستهلك من الألفاظ والأشكال، إنشاء رواية جديدة لا تشعر عند قراءتها أنك قرأت مثلها من قبل، تفاجئك في كل فصل من فصولها بمشهد مستطرف وتصور للزمان مختلف، وبخطاب يدعوك إلى التأمل والمساهمة في إنتاج واقتراح الدلالة والمغامرة بالتأويل، والعناصر التراثية تنكشف للقارئ وتدعوه بألفاظها وبُناها وإيقاعها، وتحيله بيسر إلى مرجعياتها المتناثرة ترشده إليها نكهة عتيقة وعبق معتق فتحسب أنك منه وهو قريب، ويرجعك إلى ما اختزن في ذاكرتك من مأثور القول وسحر البيان، قرآنا وحديثا وخبرا وشعراً وأساطير الأولين والآخرين، وعجائب الدنيا وكرامات الصوفية…وغيرها.
يستحضر هذا عن وعي أو غير وعي ويصهر في الرواية صهرا، ويعجن عجنا ويشكل تشكلا بديعا فيخرج في ثوب جديد فيه من التراث أصالته وجلاله، ومن الحداثة إبداعها وجمالها، تتفاوت درجات الإحالة بحسب غاية الكاتب وقدرته على تمثل مخزونه الثقافي، وقد يجعل بعض هذه الإحالة مسلكا في الكتابة هادفا إلى إثبات الخصوصية والتميز”34 و”طموحا إلى خطاب روائي ذي خصوصية عربية تراثية”35 وربما كان القصد من ورائه محاولة القبض على مجريات الواقع العربي المتردي في ظلمات التخلف والقهر والنسيان.
توظيف التراث في الروايتين
وظّف فيهما المبدعان أنواعا كثيرة من التراث، إذ استدعى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، والأمثال الشعبية، والأساطير، وتمثل البيئة المحلية ببساطتها ولغتها وأحيانا عاداتها وتقاليدها، وعجائبها…كل ذلك ينصهر في عمل سردي معاصر تقرأه ولا تمل، لأنه يتنامى إلى درجة التماهي مع نصوص من الشعر العربي والأمثال الشعبية. حفرت لها مكانا في ذاكرة الكاتبين فاستعادا مخزونهما في لغة متينة لا تختلف عن أحسن النصوص التراثية فهي تتناص معها إلى درجة لا تستطيع التمييز بينها إلا أن المبدعين صهراها وعجناها في أسلوب حداثي متطوّر ساحر جذاب وساعيا إلى تعتيق الخطاب وتحديث الجنس الروائي.
توظيف لغة القرآن الكريم
يعمد الكاتبان إليه لتعتيق الكتابة الروائية عن طريق محاكاة الأسلوب القرآني محاكاة واعية عن طريق اقتباس الآيات القرآنية دون تنصيص أو إحالة، عبر التناص أو استحضار أجزاء من الآيات لتكثيف معناها أو تلخيصه أو التمهيد له للإعلان عنه.
هذا الكم الهائل من النصوص الغائبة التي شكلت العالم الروائي للكاتبين الأعرج واسيني وعبد الملك مرتاض، البعض منها يظهر بشكل واضح وجلي، والبعض الآخر نلمحه من قراءاتنا لأن “الكتابة الراهنة ليست في حقيقتها إلا استبدالا لكتابة سابقة…والنص الماثل إلا مزيجا من نصوص أخرى كثيرة مجهولة حسب رأي كريستيفا وبارث”36.
وظف الأعرج واسيني أساليب قرآنية أسهمت في تشكيل الفضاء اللغوي للرواية لما تتوفر عليه لغة القرآن من فصاحة وبلاغة وقدرة على الخلق والتصوير، فاشتملت الرواية على مثل هذه الصيغ:
الشمس تكور، والنجوم تتكدر، والجبال تيسر، والعشار تعطل، والوحوش تحشر، وحين يسأل الناس الموؤودون بأي ذنب قتلوا يتدثر الملوك داخل أكتافهم حفاة عراة…37
يتناص هذا الأسلوب بوضوح مع آيات سورة التكوير في قوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت،وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت،وإذا العشار عطلت،وإذا الوحوش حشرت،وإذا النفوس زوجت،وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾ الآيات (1-9).
وستصلون نارا ذات لهب وتصعدون جبال جهنم على وجوهكم38.
سيقوم الخلق بين يدي الله، صفا صفا وكل واحد يحمل كتابه من كان مؤمنا سيحمله يمينا، ومن كان كافرا سيحمله يسارا39.
ما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شبّه لهم40.
قال، لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها، صرخنا خدعتنا يا ابن الزانية، قال خدعتكم النفس الأمارة بالسوء، فهو يتناص مع قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾ (الإسراء: 33).
استثمر الرّوائي اللغة القرآنية لما تتوفّر عليه من حمولة دلالية وبلاغية في ابتكار دلالة جديدة لها ارتباطها بأحداث الرواية وبالواقع الاجتماعي والسياسي والايديولوجي المبثوث بين تلك الأحداث. فالرواية تستمد دلالتها من التراث تتمثله وتمنحه دلالات جديدة، معطرة بلمسة قرآنية لها سحرها الخاص.
وجاءت الآيتان: (29/28) من سورة الحجر منصوص عليهما وموضوعتان بين قوسين ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾41 لم تحل الرواية إلى مصدرهما، ولكن للتنصيص عليهما، إشارة من الكاتب على أهمية السياق الواردة فيه، حول الكاتب هذه الآية من التعبير عن الأجواء الدينية المفعمة بالقدسية إلى التعبير العكسي أي التعبير عن المعنى المعكوس لما في القرآن الكريم، فينقلها إلى أحداث السياسة والواقع الاجتماعي معبرا عن رفضه لاستغلال الحكام لنصوص القرآن الكريم للسيطرة والتسلط على شعوبهم، لما لها من قدسية عندهم.
وظف عبد المك مرتاض في روايته “مرايا متشظية” عدة أساليب قرآنية ليبرز استغلال الدين لفئات مختلفة لأغراضها وإدخالها ضمن السياسة والصراعات المتجسدة في شيوخ القبائل السبع، ورد على لسان أحدهم: “اللهم أرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل حتى تجعلهم كالعصف المأكول”42.
والقارئ الـمتمرّس يكتشف التناص الموجود بين هذا الدعاء وحادثة الفيل. فالكاتب أراد أن يقارن بين ما يجري في الواقع الجزائري من محن أوجاع وتحطيم وتدمير، وما جرى في عام الفيل، عندما همّ أبرهة تحطيم الكعبة الشريفة، وأرسل الله عليه وجيشه طيرا أبابيل فأهلكتهم وخيبت مسعاهم، كما خاب مسعى من أراد تدمير الجزائر. وهنا تناص ظاهر مع آيات سورة الفيل في قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل، أرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول﴾. والمعروف أن لغة القرآن تمتاز بالمرونة التأويلية مما سمح للغة الروائي استعمالها في توضيح موقفه من آثار الدمار السياسي للبلاد، وإدانة لاستغلال الدين لمختلف أطراف النزاع.
فمنذ الوهلة الأولى للرواية رصع المبدع روايته باقتباسات لتدعيم المعنى، والقارئ يستطيع أن يميز بين ما هو قرآن وما هو ليس منه إلا عن طريق المخزون الذاكراتي. ففي بداية الرواية، والتي هي استهلال مكثف لما يأتي، يقتبس عن طريق التناص من القرآن الكريم في سورة التكوير لكن جاء ذلك خارج السياق فيقول: “إلى الذين يغتالون ولا يدرون بأي ذنب يغتالون؟ وإلى الذين كانوا يغتالون ولا يدرون لأي علة يغتالون؟”.
فهو يحاور النص الغائب في قوله تعالى: ﴿إذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾ (التكوير: 8-9) وفي متن الرواية ذاتها يستعمل عبارات من القرآن الكريم توحي بمدى تعلق الكاتب بالنص القرآني واستدعاء عباراته ضمن أسلوبه في سرد حالة دقيقة في الرواية، فهي توحي بأن هناك من يغتال وهناك من يغتال وكلاهما لا يعلم سبب الاغتيال وهو يكفينا عن التوغل في المزيد من الحوار مع ما جاء في القرآن الكريم، لأن الرواية كلها حوار واقتباسات.
والروايتان تعجان بتوظيف التراث العربي والإسلامي والإنساني، من شعر قصص وعجائب وديانات وأجناس أدبية تخللت الروايتين مثل المقامات وأدب لغات أخرى من الإسبانية القتشالية والفرنسية والأدب الشعبي. لا يمكن الحديث عنه في هذه المداخلة القصيرة.
الخاتمة والنتائج
الرواية العربية عرفت تطوّرا، وانتشارا واسعا وهي من أهم الأجناس الأدبية رواجا بين القراء لما تمتاز به لغتها الجميلة في مستوياتها المختلفة، والإقبال عليها لم يأت من فراغ، وإنما جاء مما حققته من بناء لغوي وسرد أخاذ، جذب إليها القراء والنقاد.
ومن خلال دراسة أسرار هذه اللغة الجميلة لكاتبين عرفا بالتفوق في الكتابة الروائية بلغة تتدفق وتنساب في أصوات عديدة من شخوص الرواية، مع المحافظة على بلاغة العربية وأساليبها. تقترب من التراث في ثوب المعاصرة ساعية إلى جذب القراء إليها، والتمتع بالقراءة دون ملل؛ لأنها تستوعب عناصر اللغة في ثوب الـمناصصة أو التناص أو الحوار مع لغة القرآن الكريم ولغة الشعر والآداب والتاريخ…وهي تصور الواقع والمتخيل في آن واحد. تجري عل ألسنة الشخوص والرواة والحكماء والمؤرخين والمجانين عبر أصوات متفاوتة جمعها السارد في لغة أنيقة.
استعمل الروائيان صنوفا من اللغة القوية والأنيقة في آن واحد وسلكا عدة طرق في تكوين لغتهما مثل: الأسلبة والتهجين والتناص والحوار اللغوي والسخرية وغيرها من الأساليب المتنوعة، التي شربت التراث واستدعته ثم عجنته فأخرجته في أسلوب شاعري ذي دلالة إيحائية، تجعل المتلقي يهيم في متابعتها، يتمتع بجمالها وسحرها.
هذه اللغة الجميلة التي يمتلكها الكاتبان أدت إلى المساهمة في:
1- زيادة الـمقروئية وانتشار اللغة العربية.
2- الإقبال على الرواية العربية ذات الـمستوى العالي.
3- الوصول إلى العالـمية في الكتابة الروائية العربية.
4- صدى العربية وانتشارها عبر الرواية.
5- كثرة الدراسات حول الرواية العربية.
6- الحصول على الجوائز القيمة والشهرة الكبيرة.
وأخيرا كانت الرواية العربية الوسيط الذي حمل هموم الأمة العربية والتعريف بمجتمعاتها وبيئاتها المختلفة وتوصيلها إلى الآخر. كما حققت تساؤلات لدى المتلقي العربي والأجنبي عن جمالية العربية في الرواية، التي ظن الكثير أن لغتها غير قادرة عى استيعاب الحاضر.