Abū-l-‘Abbās Aḥmad Ibn Muḥammad al-Maqqarī al-Tilimsānī: su vida, formación y obras

Abū-l-‘Abbās Aḥmad Ibn Muḥammad al-Maqqarī al-Tilimsānī: su vida, formación y obras

أبو العباس أحمد بن محمد المَقَّري التِّلِمْساني : حياته، مكانته، وأعماله

الدكتور مراد قاسيمي
Mourad Kacimi
Universidad de Alicante

 

Resumen

La ciudad argelina de Tremecén fue conocida desde antiguo por la riqueza de su ambiente cultural. Como resultado de ello, numerosos eruditos de esta ciudad dejaron sus huellas en la cultura árabe e islámica con elaboraciones en las diversas disciplinas.

El objetivo principal de este artículo es destacar la personalidad de un notable erudito de Tremecén: Abū-l-ՙAbbās Aḥmad Ibn Muḥammad al-Maqqarī. Arrojamos en primer lugar luz sobre su formación académica, subrayando sus maestros y los viajes que hizo para obtener su formación. En segundo lugar, resaltamos su valor como sabio, mencionando los importantes cargos que ocupó y su papel como transmisor de los conceptos culturales de las escuelas literarias magrebí y andalusí a oriente. Este valor cultural lo confirmamos recogiendo una serie de testimonios de notables biógrafos de su época, y la valoración que a su figura han dado los modernos críticos literarios.

En la parte más importante de este artículo destacamos la importancia de las obras conocidas de Abū l-ՙAbbās Aḥmad al-Maqqarī, Nafḥ al-ṭīb min guṣn al-Andalus al-raṭīb wa-ḏir wazīri-hā Lisān al-Dīn al-Jaṭīb, y Azhār al-riyaḍ fī ḏikr al-Qāḍī ՙIyāḍ, y señalamos sus obras menos conocidas para que sean objeto de interés de futuros investigadores.

مقدمة:

عرفت مدينة تلمسان منذ القدم بعطائها الوافر في المجال الثقافي والحضاري، وقد أنجبت عدداً هائلاً من الأعلام الذين تركوا بصماتهم في الثقافة العربية والإسلامية، وأسهموا في إثراء المكتبة الإسلامية بكتب وموسوعات في فنون متعددة، وقد أردنا من خلال هذه المقالة أن نقف عند شخصية مهمة، ذاع صيتها بالمشرق والمغرب، وظلًّ اسمها مدوياً في الأوساط المختلفة، هذه الشخصية هي أبو العبّاس أحمد بن محمد المقري.

يعتبر هذا العالم من أبرز العلماء المسلمين الموسوعيين في القرن الحادي عشر الهجري، فقد كان متبحراً في شتًّى الفنون الأدبية، متمكِّناً من علوم الشريعة الإسلامية، عاكساً كل ذلك في آثار جليلة خلًّفها، نذكر من أهمها: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدِّين بن الخطيب، وأزهار الرِّياض في أخبار القاضي عياض، كما كان الجسر المتين الرابط بين الفكرين المغربي والمشرقي، حيث عمل على إشاعة ونشر أدب المغرب الإسلامي، وعرَّف برجالاته في المجالات المختلفة، حيث كان كتابه نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب الوعاء الذي صبَّ فيه عصارة أدب وفكر المغاربة، وأضحى هذا الأخير محل فخر واعتزاز، ليس فقط للمغاربة، بل أيضاً للمشارقة الّذين نوَّهوا إليه وأشادوا به كثيراً.

نهدف من خلال هذا البحث الوجيز إلى التعريف بشخصية أبي العباس أحمد بن محمد المقري، بدءاً بنشأته ومراحل دراسته الأولى والشيوخ الّذين تلقّى عنهم العلم، ثمّ الرّحلات العلمية التي قام بها، والمناصب التي تقلّدها، والمكانة العلمية التي حظي بها، وذلك من خلال شهادات معاصريه من أهل العلم والفكر لا سيما المنصفين منهم.

ترجمة المؤلف

هو أبو العبَّاس شهابُ الدِّين، أحمد بن محمَّد بن أحمد بن يحيى بن عبد الرحمان بن أبي اليعيش بن محمد القرشي التِّلِمْساني المالكي الأشعري المقَّري1 بفتح الميم وتشديد القاف المفتوحة، وقد خلقت هذه النِّسبة خلافاً بين الأدباء والنُّقّاد بسبب الاختلاف في كيفية نطق اسم القرية التي ينسب إليها أحد أبرزِ أجداده2 الذي يعدُّ واحداً من كبار علماء المغرب: وهو الإمامُ أبو عبد الله محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن أبي بكر المقَّري التِّلِمْساني قاضي قضاة فاس أحد أكبر شيوخ لسان الدّين بن الخطيب، الذي ترجم له هذا الأخير في كتابه «الإحاطة في أخبار غرناطة»3 ونَسَبَهُ إلى قريش، وذكرَ هذا النَّسَبَ أبو العبَّاس المقَّري صاحب هذه التَّرجمة في كتابه «نفح الطِّيب» تحت عنوان «هل المقَّري الجدُّ قرشي؟» وأثبته.

يرى بن مرزوق4 في كتابه «شرح النونية» أنّ اسم القرية التي ينسب إليها جده هو «مقرة»، كما كتب كتاباً حول تاريخ المقري الجد سماه «النور البدري في تايخ الفقيه المقري».5

تقع قرية مقرة جنوب شرق الجزائر، على مدى ثلاثين كيلومتراً نحو شرق مدينة المحمديّة، المعروفة حاليا باسم مدينة المسيلة، ولاتزال القرية تحتفظ بهذا الاسم إلى غاية اليوم. وهي ليست من قرى مدينة تلمسان كما وهِمَ البعض، ونظراً لشيوع التسمية الأولى ( بفتح القاف المشددة)، اعتُمِدت في نسبة هذا العالم في أبحاث كثير من الدّارسين العرب والمستشرقين.

رحلات المقري

مِثل ابن خلدون وابن بطوطة، زار المقري عدّة بلدان، ومن هنا بدا اهتمام عدّة باحثين بسيرته ومؤلفاته التي سجّل فيها رحلاته ودوَّن فيها حنينه إلى الوطن الأم.

كانت أولى رحلاته إلى مدينة فاس التي كانت قبلةً لطلبة العلم أنذاك في سنة 1600م، وفي العام الموالي زار مدينة مراكش حيث شاهد مقصورة جامع الكتبيين، وقصر يعقوب المنصور الموحدي، كما زار في نفس السنة مدينة أغمات أين قبر المعتمد بن عباد أمير وشاعر إشبيلية، ثمّ عاد إلى تلمسان في سنة 1602م، ولكنّه لم يلبث طويلاً أن عاد إلى مدينة فاس عام 1604، لكن هذه المرة ليس لمجرد الزيارة، بل للإستقرار بها، قصد متابعة دراسته، وهناك طالع العديد من المؤلفات المتعلقة بأدب وتاريخ الأندلس والتي تركت أثراً واضحاً في كتبه عن الأندلس وأهلها وعلمائها، كما احتكّ بكبار علماء مدينة فاس حتى عُدّ واحدًا منهم، وقد قلّده السلطان السعدي مولاي زيدان منصب الخطابة والقضاء في سنة 1617م.

ونظراً للاضطرابات السّياسية التي كان يعيشها المغرب آنذاك، وبسبب الفتنة التي حدثت بين سلطان فاس وقبيلة شراقة الجزائرية، حيث اتُّهِم المقري بموالاته لهذه القبيلة وقد يعود سبب هذه التُهمة إلى الحسد الذي كان يكِنُّه له بعض الأفراد من حاشية السلطان السعدي عبد الله بن الشيخ لمكانته المتميزة لديهآثر المقري الرحيل إلى المشرق، وقد عبّر عن هذه التجربة المُرّة من خلال حديثه عن الدسائس الّتي تعرّض لها الوزير لسان الدين الخطيب مع حساده في بلاط بني الأحمر بغرناطة، والرّاجِح أنّ هذه المكائد التي تعرض لها في المغرب، هي التي دفعته للرحيل إلى المشرق، تحت ذريعة الحج، وربّما كانت الأوضاع السِّياسية المضطربة التي مرّ بها المغرب آنذاك هي التي حالت دون عودته إلى مدينة فاس الّتي قد ترك فيها زوجته وابنته.

بعد أن أدى فريضة الحج في عام 1618، حطّ رحله بالقاهرة، وتزوّج مجدداً، ثمّ عاوده الحنين للسفر فزار المسجد الأقصى في عام 1619م، ثمّ عاد للقاهرة حيث مكث بها ثماني سنوات، ثم زار وللمرّة الخامسة مكة المكرمة في 1627، ثم رحل بعدها إلى الشام، حيث استُقبِل هناك من طرف المغاربة، وأعطى دروساً بمدرسة الجقمقية، وعقد ندوات شعرية، ونظراً لتميّز عطائه فيما كان يلقيه وخاصة في شرح صحيح البخاري أقبل عليه أبرز العلماء وطُلّاب العلم للأخذ عنه، وقد كانت هذه الدروس تبدأ من الفجر وتنتهي عند الظهر، وهو شرف لم يحظ به عالمٌ غيره في زمانه، وقد احتفظ أبو العباس بهذه الذكرى بقية حياته، ففي كتابه نفح الطِّيب لا يتوقّف عن الثًّناء على أهل دمشق كلما سنحت له الفرصة.6

غادر المقري بعدها دمشق متوجِّهاً إلى القاهرة في الخامس من شوال 1627، ثم عاد إليها في نهاية شعبان من سنة 1630، حيث استُقبِل بنفس الحفاوة التي استُقبِل بها في أوّل مرة. وعند عودته إلى القاهرة طلًّق زوجته المصرية، وأثناء استعداده للرّحيل مجدداً إلى دمشق قصد الاستقرار بها ففاجأه الموت، وكان ذلك في جمادى الثانية من سنة 1631م، ودُفِنَ في مقبرة المجاورين، وقيل بأنّه قد: مات في الشَّام مسموماً وهذا وهم.7

شيوخ أبو العباس المقري

تتلمذ شهاب الدين أبو العباس المقري على يد جملة من المشايخ بالمغرب والمشرق، نذكر من أهمهم في المغرب، عمّه سعيد ابن محمد المقري، وأبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عثمان السلسي،8 وأبو عبد الله محمد ابن أبي بكر بن محمد الصنهاجي الدلائي،9 وأبو القاسم بن محمد بن أبو القاسم بن محمد أبو نعيم الغساني10 وأبو عبد الله محمد بن أبو القاسم بن علي القيسي المعروف بالقصار،11 وأبو العباس أحمد ابن أبو القاسم الهروي المعروف بالصوام،12 وأبو العباس أحمد ابن محمد بن محمد بن أحمد بن علي العافية المكناسي المعروف بابن القاضي،13 وأبو العباس أحمد بن أحمد التمبكتي المعروف بأحمد بابا،14 وأبو فارس عبد العزيز محمد الفشتالي،15 وأبو محمد الحسن بن أحمد بن الحسن بن يعقوب بن محمد المصطفوي.16

عند وصول المقري إلى المشرق، كان يعد من أبرز العلماء، لهذا لم يذكر من شيوخه بالمشرق سوى عبد الرؤوف بن تاج العارفين المعروف بزمع الدّين الحدادي، ونجم الدّين محمد بن بدر الدّين الدّمشقي.17

أمّا تلاميذته، فقد تتلمذ على يده بالمغرب كل من أبي العباس أحمد بن علي البوسعيدي،18 وعلي بن عبد الواحد النّصاري، وأبو السعود عبد القادر الفاسي،19 أمّا في المشرق فقد كانوا كثر نذكر من أهمهم: عبد الرحمان العمادي الحنفي،20 وأحمد الشاهيني،21 ويحي المحاسني، ومحمد بن يوسف بن كريم الدّمشقي،22 ومحمد بن تاج الدّين بن أحمد المحاسني، ومحمد بن علي القاري،23 والعامر منجك بن الأمير محمد بن منجك، وعبد الباقي الحنبلي الدمشقي.24

مكانته العلمية

حظي أبو العباس المقري بمكانة علمية أهلته للإفتاء بمدينة فاس، من عام 1613م إلى 1617م، كما أُسنِدت له إمامة جامع القرويِّين بها. وما يؤكِّد هذه المكانة أيضاً زواجه بالقاهرة من عائلة الوفائيِّين المرموقة التي لم يكن يسمح للزواج منها إلًّا لذوي الشأن العلمي الرًّفيع. إضافة إلى تصدُّرِه للتدريس بجامع الأزهر خلال إقامته بالقاهرة، وإلقائه دروساً بالمسجد الأقصى عند زيارته الثانية، والحفاوة المنقطعة النظير التي استُقبِل بها في دمشق سواء من طرف الطلبة أو الأهالي أثناء تدريسه لشرح صحيح البُخاري،25 وفي هذا الصدد يحكي عنه تلميذُه الشيخ عبد الباقي الحنبلي الدمشقي فيقول: «دخلت مصر سنة 28 فوجدته في صحن الجامع الأزهر يقرأ العقائد، وله مجلس عظيم فلم يستنكر عليه ما كان يورده من الأعاجيب لأنّ العقائد فنُّ أهلِ المغرب، فما دخل رجب افتتح البُخاري، فأتى بما هو أعجب».26

كان المقري حافظا أديباً، فقد ذكر بعض تلامذته أنّه كان يروي الكتب السِتّة عن عمِّه عن أبي عبد الله التنسي، عن والده الحافظ محمد بن عبد الجليل التنسي، عن البحر أبي عبد الله بن مرزوق عن أبي حيان عن أبي جعفر بن الزبير، عن أبي الربيع بن ربيع عن أبي الحسن الغافقي عن القاضي عياض،27 ولقد وصف أبو سليم العيّاشي المقري في كتابه «ماء الموائد» بحافظ المغرب، وقال فيه القادري في كتابه «النشر الكبير»، لا نعلم في وقت صاحب الترجمة أحفظ منه. وفي «بذل المناصحة» لأبي العباس البوسعيدي عند ذكره خروج المقري من فاس إلى المشرق قال: «وخلت البلاد عن مثله ومضاهيه»،28 كما قال القاضي ابن الحاج في كتابه «رياض الورد»، «وناهيك بتأليفه نفح الطيب فإنّه يدل على باعه وجودة فكره حفظاً واضطلاعاً واتقاناً وضبطاً، ولا التفات لمن نُقِل عنه أنّه غير ثقة، بل هو من أعظم علماء الإسلام، ثقة ودِيانة وحفظاً وفهماً».29

مؤلفاته

خلّف لنا أبو العباس كتباً جليلة أشهرها كتاب «نفح الطِّيب من غصن الأندلس الرَّطيب وذكر وزيرها لسان الدّين بن الخطيب» في أربعة أجزاء وهو في تاريخ الأندلس وعلمائها وأدبائها، وكتاب « أزهار الرِّياض في أخبار القاضي عِياض»  في أربعة أجزاء، ولا يزال الكتابان من أبرز مصادر الأدبين المغربيِّ والأندلسيِّ حتَّى اليوم.

وقد اشتُهِر كتابُه الأول أكثر من الثاني بسبب طبعه المبكر (مطبعة بولاق سنة 1862)، ثم طبع مرة أخرى في مطبعة الأزهرية سنة 1885، فأصبح متداولاً بين النّاس، ثمّ طبع لثالث مرة عام 1949 نظراً لكثرة الطلب عليه بين الأوساط العلمية الّتي عرفت قدره.

أمّا كتاب أزهار الرياض فقد طبع لأول مرة في تونس سنة 1904، ولم تطبع المؤسسة التونسية الجزء الأول منه لأنّه كان مليئاً بالأخطاء، ومن غير مقدمة توضح المخطوطات المعتمدة في التحقيق، ثم طُبِع مجدداً بالقاهرة ببيت المغرب، في ثلاثة مجلدات بتحقيق جيد.

وتعود شهرة كتاب النفح إلى أنّه كان أوّل كتاب يتحدّث عن الأندلس بإسهاب، كما أنّ له أهمية أخرى تتمثل في اعتماده على مصادر لم يصلنا منها سوى القليل، كمطمح الأنفس لابن خاقان، والمغرب لابن سعيد وغيرها.

وقد قسّم المقري كتاب النفح إلى قسمين، القسم الأول يمثل ثلثي الكتاب، فيه مقدمة تعرّض فيها المؤلف لجزءٍ من سيرته الذاتية في شعر ونتر، يليها ثمانية فصول تحدث فيها عن الأندلس، المدن والسكان، المناخ والمساحة….

تكلّم في البداية عن أوّل من سكن الأندلس، ثم عن فتحها، ثم عن خلافة بني أميّة، وترجم لعدة علماء هاجروا من المشرق إلى الأندلس، كما خصّص فصلاً كاملاً لوصف سكان الأندلس، في حبهم للعلم والأدب، ونوّه بشأنهم الذي بلغوه.

أمّا القسم الثاني فقد خصصه للحديث عن أخبار الوزير لسان الدّين بن الخطيب، وقسمه بدوره إلى ثمانية فصول، تحدّث فيها عن نسبه، مع ترجمة طويلة عن مصادر متعدِّدة، وتكلّم عن شيوخه، ومن بينهم المقري الجد، فأسهب في ترجمته، ثم عاد للكلام على لباقة ابن الخطيب وحنكته الدبلوماسية، وروائعه الأدبية شعراً ونثراً، ثم خصص فصلاً لمؤلفاته، وآخر لتلامذته، وختم بالحديث عن أولاده ونصائحه لهم.

ويعتبر هذا المُؤَلَف موسوعة أدبية وتاريخية هامة ومتميّزة، مما جعله يحظى باهتمام الكثير من الباحثين والمحققين نذكر من أهمهم: العلامة عبد الله عنان، والدكتور إحسان عباس، والشيخ يوسف البقاعي، ومريم قاسم الطويل، ويوسف الطويل.

كما أنّ للمقري كتباً أخرى في الشريعة والأدب والتاريخ والتراجم، منها ما ثبت نسبها إليه، وأخرى محط شك في نسبها، ومنها ما هو مفقود.

ومن المؤلفات المثبتة له

«روضة الأنس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس»،30 كتبه بعد زيارته الأولى للمغرب في تلمسان سنة 1603، وكان غرضه أن يهديه للسلطان المنصور الذهبي كعرفان لحسن الاستقبال الذي لقيه بالمغرب، لكن موت هذا الأخير حال دون ذلك، ترجم في هذا الكتاب لأربعة وثلاثين عالماً من مدينة مراكش وفاس، وافتتحه بسيرة المنصور، وذكر مناقبه في الجهاد، شيوخه ومؤلفاته، طبع الكتاب بالرباط سنة 1983.

ثمّ تلاه كتاب »أزهار الرِّياض في أخبار القاضي عِياض« وكان قد كتبه في فاس قبل رحيله إلى المشرق، ما بين فترة 1604 و1618، وقد استخدم فيه نفس المنهج الّذي استخدمه في تأليف نفح الطيب، حيث يترجم لكثير من الأعلام الذين لديهم علاقة بالشخصية المرتكز عليها والتي يدور حولها الكتاب، ويعود السبب الأوّل لتأليفه: علاقة أهل تلمسان بالقاضي عياض، أمّا السبب الثاني: فهو الإعجاب الّذي كان يُكنِّه المؤلف للقاضي.

رتب أبو العباس المقري كتابه هذا في ثمانية فصول، تكلم فيها عن القاضي عياض، حياته، نسبه، شيوخه، وأعماله الأدبية الشعرية والنثرية، كما ذكر مؤلفاته، وتخلل كل فصل منه ترجمات لأعلام من المغرب والأندلس، وختم الكتاب بما أثناه العلماء على شخص القاضي، وتعدُ طبعة الرباط سنة 1978 أحسن طبعة للكتاب.

وله في النَّبويَّات «فتح المتعال في وصف النِّعال»31 نعال النبيّ (ص)، كما ورد نفس الكتاب بعنوان مشابه، «النفحات العنبرية في وصف نعال خير البرية»، يتضمن الكتاب قياس نعل الشريف وفضائله، وقد ألّفه شعراً على الترتيب الأبجدي، قيل غرضه منه كان الرغبة في الحصول على منصب بالمدينة المنورة عام 1624، طبع الكتاب بالهند سنة 1916.

وله أرجوزة سمَّاها «إضاءة الدُّجنَّة في عقائد أهل السُّنَّة»32 شرع في تأليفها في عام 1619م بالحجاز نزولاً عند رغبة بعض الأفاضل في مؤلف حول العقيدة الإسلامية، وختمه بالقاهرة عام 1627، تكلّم فيها عن المقدّسات الإسلامية، المسجد الأقصى، هيكل نبي الله سليمان عليه السلام بمدينة القدس، وعن مكة المكرمة، والمدينة المنورة.33

وله أيضاً «إعمال الذهن والفكر في المسائل المتنوعة الأجناس»، هي عبارة عن أجوبة حول مسائل بعث بها في رسالة إلى شيخه أبو بكر الدلائي.34

كما أنّ له العديد من المؤلفات نذكر منها: «القواعد السرية في حل مشكلات الشجرة النعمانية»، «زبدة الأزهار الكمامة»، «حاشية على شرح أم البراهين»، «كتاب إعراب القرآن»، «أسئلة وأجوبة شريفة حوت حقائق لطيفة ودقائق منيفة»، «تاريخ الأندلس»، «المزدوجة»، «حسن الثَّنا في العفو عمَّن جنى» طُبِع بالقاهرة في ثمان وأربعين صفحة ولم تذكر سنة طبعه، كما طُبِع أيضاً بالهند، وله نظم شعري سمّاه «رفع الغلط عن المخمس الخالي الوسط»،35 «الشفاء في بديع الإقتفاء»، ذكره تلميذه أحمد الشاهيني في إحدى رسائله، «إتحاف أهل السيادة بضوابط حروف الزيادة»،36 وهي عبارة عن رسالة، وله «الدر الثمين في أسماء الهادي الأمين»،37 وهو عبارة عن مجموعة من القصائد الشعرية المفقودة، ذكره المحبي وياقوت الحموي، كما له «شرح مقدمة ابن خلدون»، وهو نص مفقود ذكره محمد مخلوف في شجرة النور الزكية،38 و«عرف النَّشق في أخبار دمشق»39 وهو مفقود ذكره المقري باسم آخر، «نشق كلام المدح لدمشق»، ربما كان ينوي تأليفه قبل وفاته، ولكن الموت وافاه قبل ذلك، ونسب له «قطف المحتصر في شرح المختصر»، النص مفقود، و«الغث والسمين والرث والثمين»، أيضاً مفقود، و«البدأة والنشأة»،40 مفقود، و«النمط الأكمل في ذكر المستقبل»،41 مفقود، و«نظم في علم الجدول والطلاسم»، مفقود، كما له تعليق على القصيدة الشعرية «سبحان من قسم الحظوظ»،42 و«كتاب الأصفياء»، الذي ذكره أحمد ابن شاهين في إحدى رسائله إلى المقري، و«روضة التعليم في ذكر الصلاة والتسليم»،43 و«الروض المعطار» وكتاب «الأنوار في نسب النّبي المُختار»، لا يزال مخطوط في المكتبة الحسنية بالرباط تحت رقم 11328، «أنواء نيسان في أنباء تلمسان»،44 هذا الكتاب لم يكمله بسبب سفره إلى فاس.

خاتمة

كان الهدف من هذه المقالة التعريف بأبي العباس أحمد المقري، تلك الشخصية الجزائرية الفذة، والعلم الذي ترك بصماته في الفكر العربي والإسلامي عن طريق أعمال مميّزة ساهم بها في إثراء وتعزيز الصرح الثقافي، وحفظ ببعضها تاريخ تراث فكري أندلسي كاد أن يضيع بعد أن ضاع إقليمه.

قمنا في بداية هذا البحث بالفصل في قضية النقاش القائم بين الباحثين حول اسم شهرة المؤلف، ثم انتقلنا بعدها إلى التعريف به من خلال عرض نشأته، ثم علومه التي تلقّاها، ثم رحلاته التي قام بها، مبيِّنين الغرض أو السبب من كل رحلة، كما نوّهنا بفضل وشرف المؤلف ومكانته العلمية، مدعمين كلامنا بأقوال أهل الفضل والعلم من أهل زمانه، بعد أن ذكرنا أهم شيوخه وتلامذته.

وبما أنّ قدر العالم يقاس بقيمة ما خلفه من آثار علمية، فإنّ الجزء الغالب على هذه المقالة خصص للتعريف بمؤلفات المقري وأهميتها، وقد أتينا على ذكر المشهور منها والمغمور، وإن نال المشهور منها الحظ الأوفر في التعريف، فذلك لسهولة الحصول عليها وكثرة البحوث فيها، كما حاولنا إحصاء كتبه الموجودة والمفقودة، أمّا الموجودة فعرّفنا بمحتواها، وأفدنا القارىء بأماكن طباعتها، وأمّا التي لا تزال مخطوطة فقد حدّدنا للباحثين أماكن وجودها بغية الإفادة.

 

Notas:


1 ينظر ترجمته في: شهاب الدين الخفاجي، ريحانة الألباء، القاهرة، 1878، ص293؛ المحبي، خلاصة الأثر، بيروت، ج1، ص 302-312؛ محمد ابن الطيب القادري، نشر المثاني؛ الرباط، 1978، ص211؛ عبد الحي الكتاني، فهرس الفهارس وإثبات ومعجم المعجم و المشيخات المسلسلات، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1982، ج1، ص574-578؛ محمد الحاجي، الزاوية الدلائية، الرباط، المطبعة الوطنية، 1964، ص 108-113؛ معجم مشاهير المغاربة، منشورات جامعة الجزائر، 1995، ص 507-511؛ يحي بوعزيز، أعلام الفكر والثقافة في الجزائر المحروسة، بيروت، 1995، ج2، ص 166-179؛ ابن ابراهيم العباس، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، الرباط، المطبعة الملكية، 1974، ج2، ص 308؛ علي بن معصوم، سلافة العصر في محاسن الشورى بكل مصر، قطر، 1963، ص 589-599؛ عمر فروخ، معالم الأدب العربي، بيروت، 1985، ج2، 433-448؛ منصور عبد الوهاب، مقدمة روضة الآس؛ أحمد المقري، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، بيروت، دار الصادر، 1988، ج1، ص 1-13، ج8، ص5-7.

2 هناك خلاف في ضبط اللفظ كما أشرت، من يرى أنّ الاسم هو المقّري هم: أغلب المتأخرين، والغربيين، مثل أحمد الطمبكتي، نيل الإبتهاج، طرابلس، 1989، ص 26؛ والمحبي في خلاصة الأثر.

أمّا من يرون أنّ اللفظ ساكن القاف، المقري، هم: ياقوت الحموي، في معجم البلدان، بيروت، 1990، ج5ص203؛ محمد الذهبي، المشتبه في الرجال أسمائهم وأنسابهم، القاهرة، 1962، ص609؛ عبد القادر زمامة، المقري، المقّري، مجلات مجمع اللغة العربية، دمشق، 1971، ص99-104؛ أحمد بن محمد بن القاضي، ذرة الحجال في أسماء الرجال، القاهرة، 1972، ج2، 43.

3 ينظر أحمد المقري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ج7، ص 203.

4 هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق، ولد بتلمسان عام 1310، كتب في التاريخ، الشريعة، التصوف، و التراجم، كان أحد شيوخ بن الخطيب في مدينة غرناطة، توفي في القاهرة سنة 1379.

5 أحمد المقري، نفح الطيب في عصن الأندلس الرطيب، ج7،ص 204-205.

6 أحمد المقري، نفح الطيب، ج1، ص58، 70.

7 المرجع نفسه، ج8، ص 5

8 أحمد المقري: روضة الآس العطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس، تحقيق عبد الوهاب منصور، الرباط، المطبعة الملكية، ط2، 1983، ص232-235؛ محمد القادري: نشر المثاني، ص، 148-149.

9 ينظر أحمد المقري، أزهار الرياض، ج1، ص 494.

10 ينظر أحمد المقري، روضة الآس، ص 3015-316.

11 ينظر ترجمته في: أحمد المقري، روضة الآس، ص316-332؛ ونفح الطيب، ج6، ص 330؛ الكتاني، فهرس الفهارس، ج2، ص 965-967؛ محمد القادري، نشر المثاني، ص 254؛ العباس بن إبراهيم، الإعلام، ج7، ص 208-217؛ القادري، إلتقاط الدرر، بيروت، 1983، ص 39-40؛ عمر فروخ، أعالم الأدب العربي، ج2، ص 244-247.

12 أحمد المقري، روضة الآس، ص 300-303.

13 المرجع نفسه، ص 239-300.

14 المصدر نفسه، ص 303-315.

15 المرجع نفسه، ص 112-163.

16 ينظر أحمد المقري، نفح الطيب، ج6، ص49.

17 المرجع نفسه.

18 ينظر ترجمته في: القادري، نشر المثاني، ص 356-362؛ الكتاني، فهرس الفهارس، ج1، ص 248؛ العباس بن ابراهيم، الإعلام، ج2، ص 314-316.

19 ينظر ترجمتهما في: المحبي، خلاصة الأثر، ج2، ص 380-389/467.

20 ينظر ترجمته في: البورني، تراجم الأعيان من أبناء الأزمان، تحقيق صلاح الدين النجد، دمشق، مطبعة المجمع العلمي، 1959، ج2، ص 318-324.

21 ينظر ترجمته في : محمد ابن الحاج الإفراني، نزهة الهادي في أخبار ملوك القرن الحادي، الرباط، مطبعة الطالب، ط2، ص 173-179.

22 ينظر ترجمتهما في: أحمد المقري، نفح الطيب، ج2، ص 430/434.

23 ينظر ترجمتهما في: المحبي، خلاصة الأتر، ج3 ص 408-411/ج4، ص 154-155.

24 ينظر ترجمتهما في: الزركلي، الأعلام، ج8، ص 224/ج4، ص45.

25 ينظر أحمد المقري، نفح الطيب، ج1، ص 63.

26 الرجع نفسه، ج8، ص 5

27 المرجع نفسه، ج8، ص6

28 المرجع نفسه.

29 المرجع نفسه ج8، ص 7.

30 ينظر الحبيب الجنحاني، ص 83؛ أحمد المقري، نفح الطيب، ج5، ص 350.

31 ينظر أحمد المقري، نفح الطيب، ج2، ص 415.

32 المرجع نفسه، ج2، ص 424.

33 ينظر العياشي، الريحانة العياشية، الرباط، دار المغرب، 1977، ط2، ج2، 306.

34 ينظر محمد بن عبد الكريم، المقري وكتلبه نفح الطيب، ص 280.

35 المرجع نفسه، ص 277-282.

36 ينظر أحمد المقري، نفح الطيب، ج2، ص462، ج3، ص 457.

37 المرجع نفسه، ج1، ص 13.

38 ينظر محمد مخلوف، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، ج1، ص303.

39 ينظر أحمد المقري، نفح الطيب، ج2، ص 484-485.

40 محمد مخلوف، ج1، ص 300.

41 ينظر إسماعيل البغدادي، إيضاح الكنون على الكشف عن الأسامي و الفنون، أسطنبول، 1945، ج2، 678.

42 أحمد المقري، نفح الطيب، مقدمة إحسان عباس، ج1، ص 14.

43 ينظر محمد مخلوف، شجرة النور الزكية، ج1، 300.

44 أحمد المقري، نفح الطيب، ج2، ص 462، ج7، ص 480.